أجيال من القبائل بلا أوراق رسمية والسبب الزواج الشفهي
كتبت ألفت الخشاب:
من أبسط حقوق الانسان أن تكون له هوية ، وإثبات شخصية يعرف بها، وأن يولد فيعرف نسبه، وأن يتزوج فيوثق زواجه لتثبت حقوقه وأن يتوفي فتستخرج له شهادة وفاة، حتي يحصل ورثته علي حقوقهم، ولكن هذه الحقوق يفتقر اليها قطاع عريض من أبناء قبائل البدو، فقد كان آباؤهم لا يغادرون الجبال والوديان، ولا يصطدمون بالحضارة والمدنية ومتطلباتها والتي من أهمها التعامل بالوثائق والاوراق الرسمية، أما هم، فقد بدأوا يخرجون بحثا عن العمل والتعليم، فتبين لهم انهم بلا هوية،وعلي الرغم من ذلك مازال الكثيرين منهم يرون في الزواج بلا عقود سجنة عن النبي صلي الله عليه وسلم لا ينبغي الخروج عليها، من هنا أخذت بعض مؤسسات المجتمع المدني ومن أبرزها المؤسسة المصرية لتنمية الاسرة، علي عاتقها مهمة استخراج اوراق رسمية لهذه الاجيال، بالتصديق بداية علي عقود زواج آبائهم وامهاتهم، ثم استخراج شهادات ميلادهم، وبطاقات رقم قومي، ومنذ أيام قليلة اقيمت في وادي مندر بمحافظة جنوب سيناء احتفالية شارك فيها اللواء محمد هاني متولي المحافظ وشيوخ القبائل وابنائها للتصديق علي عقود زواج ٠٥١.
اكتشاف المشكلة
كيف بدأ الاهتمام بهذه المشكلة، هذا السؤال تجيب عليه الدكتورة سهير المصري مدير المؤسسة المصرية لتنمية الاسرة قائلة:
في عام ٤٠٠٢ كنا نعمل في مكتب شكاوي المرأة بالتنسيق مع المجلس القومي للمرأة في المناطق العشوائية والريفية، وعندما دخلنا منطقة وادي خربت في اسوان، حيث قبائل العبابدة والبشارية، وجدنا حالات كثيرة من النساء اللائي يردن الطلاق ولا يملكن عقود زواج لانهم تزوجن كما يقولون بالسجنة، اي شفاهة ودون توثيق، فبدأنا نبحث في هذه المسألة لنكتشف انها ظاهرة منتشرة في كل القبائل، حيث أجيال كاملة بلا أي وثائق رسمية وهم مقتنعون بهذا، ويري بعضهم ان التوثيق حرام، ويري البعض الاخر ان المصلحة في عدم التوثيق، فهناك بعض الزوجات تفضل عدم التوثيق حتي تحصل علي معاش زوجها الاول، وبعض الازواج لايريد التوثيق حتي لا تعرف زوجته الاولي أنه تزوج عليها، وهناك حالات يكون الولد أو البنت فيها دون سن الزواج، فعدم التوثيق يمكنهم من الزواج المبكر، ووجدنا أن أكثر المناطق المنتشر فيها هذه الظاهرة هي المناطق الحدودية.
وسائل الاقناع
تضيف الدكتورة سهير: لذلك قمنا بعمل دراسة عشوائية علي عينة من سبعة الاف حالة في سبع محافظات، فوجدنا ان نسبة الزواج غير الموثق في البحر الاحمر ٠٠١٪ وفي سيناء أكثرمن ٠٣٪ وفي مطروح ٠٨٪ وفي قنا واسوان ٨٢٪، ثم بدأنا استخدام وسائل اقناع بين القبائل حتي يقبلوا بفكرة التوثيق كان من أهمها استخدام مبدأ الحق فإقناعهم بأنه من حق كل إنسان أن يطمئن علي نفسه وابنه ويوفر له التعليم والعلاج وكافة حقوقه من والديه ومن الدولة، وانشأنا مجموعات مساندة من ابناء تلك المجتمعات وقمنا بتنظيم دورات تدريبية، وكان من أكثر العقبات التي واجهناها، عدم وجود مأذون في تلك الاماكن، فخاطبنا رجال القضاء واستجابوا ووعدوا بتوفير مأذون في هذه الاماكن.
التصديق
معروف أن هذه المشكلة سهلة الحل بالنسبة لاي عروسين جديدين، ولكن ماذا عن الاسر التي تزوجت منذ سنوات طويلة وأنجبت بلا عقود، كيف يستطيعون حل مشاكلهم؟
بالتصديق، وهو شيء مشابه لوثيقة الزواج العادية، ولكن نكتب فيها أن الزواج تم منذ عام كذا حتي لا تضيع حقوق اولادهم، ويشهد علي هذا التصديق شيخ القبيلة ومدير الامن والقيادات الشعبية والتنفيذية.
ويقول علي أبوالمجد رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية لتنمية الاسرة والخبير القانوني، أنه بعد تغير الانظمة الاقتصادية في العالم، أصبح هناك دور مؤثر لجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني التي تقوم بمساعدة الناس وبالتالي مساعدة الدولة، والمطلوب هو مرونة في القانون تتيح لهذه الجمعيات والمؤسسات ان تؤدي عملها ورسالتها.
ويؤكد عصام الدين برهام وكيل وزارة التضامن الاجتماعي في جنوب سيناء أن هذه المشكلة جزء من طبيعة المجتمع القبلي وخطورتها تتجسد في الابناء الذين يجدون صعوبة في الحصول علي أي حق من الدولة بلا أوراق، لذا ساهمت المحافظة في رفع الاعباء المادية عن البدو بالمساهمة في تكاليف التصديق علي عقود الزواج.
المأذون مكلف
أما مشايخ القبائل الذين بدأوا يشعرون بخطورة هذه القضية فيجسد آراءهم الشيخ صالح حسين شيخ قبيلة المزينة وهي من أكبر قبائل جنوب سيناء، حيث يقول، أن قسيمة الزواج اصبحت مهمة جدا، والبدو أصبحوا الان مقتنعين بأهمية استخراجها، لكن أجر المأذون مكلف جدا، حقا أنه تذبح الذبائح في العرس وهي ايضا مكلفة جدا، إلا أن العريس لا يتكلف شيئا فأبناء القبيلة هم الذين يقدمونها مجاملة له، ولذا نحن نفكر في بيع هذه الذبائح للجزارين واستخدام الاموال لمساعدة العريس علي تجهيز بيت الزوجية وبدء مشروع يعينه علي الحياة.
أما فضيلة الشيخ حسن موافي مدير إدارة اوقاف شرم الشيخ، والشيخ خالد حسن إمام وخطيب المدينة فيؤكدان أن مديرية الاوقاف توجههم إلي أماكن التجمعات البدوية، ويقولان.. نحن نقوم بتوضيح أهمية التوثيق للناس وعندما بدأنا التوثيق في عام ١٣٩١ اجمع علماء الاسلام علي أهمية وجوب توثيق الزواج لاسباب اهمها الحفاظ علي النسب.
ويقول الشيخ خالد حسن انه يوجد مساجد في كل الوديان، ونذهب إلي اغلبها خاصة أيام الجمعة لالقاء الخطب وتنظيم الندوات،كما نذهب الي مراكز الشباب وتنظيم الاسرة، ولكننا نواجه مشكلة كبيرة وهي توفير وسيلة المواصلات.
أوفوا بالعقود
وعن أهمية العقود في الاسلام للحفاظ علي حقوق الانسان تقول الباحثة الاسلامية خديجة النبراوي ان العقود لها اهمية كبيرة في الشريعة الاسلامية لاقامة الحياة علي أسس متينة تمنع ضياع الحقوق الانسانية والمصالح الاجتماعية، قال تعالي:»ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود« وهي كلمة جامعة شاملة لكل العقود، فبالنسبة للحياة الاجتماعية، لابد من توثيق عقود الزواج وشهادات الميلاد للحفاظ علي الهوية ومعالم الشخصية وخاصة في عصرنا الحالي، حيث اتسعت الاطراف وتعددت العلاقات وتشابكت المصالح وان العقود هي قوام الحياة الانسانية، وهي تتطلب جهدا مضاعفا وضميرا يقظا سواء في تسجيلها أو الوفاء بها كما أمرنا المولي عز وجل فهي آمانة جليلة وعنوان الرقي الحضاري لاية امة.
|
|